السيد أحمد الحسيني الاشكوري

58

المفصل فى تراجم الاعلام

والبلاغيين في بعض آرائهم ، فإذا استحسنوا أبياتاً من الشعر وجدناه لا يجري مجراهم في الإعجاب أو المتابعة ، وإنما يُظهر رأيه بصراحة ويعبّر عن موقفه بصورة معاكسة ، فإذا ذكر أبياتاً لزهير مثلًا قال : إن هذه الأبيات قد استحسنها أبو هلال ، والأقسام التي فيها يمجها طبعي وينفر عنها حتى يعافها نقدي . والمؤلف لا يقف عند حدود الاستشهاد ، أو تنتهي مهمته عند حدود النقل غير الواعي ، وإنما يجد في كل باب من أبوابه استجابة يغنيها بشعره ، والتفاتة تحيط بما لم يُعثر عليه عند شعراء الاستشهاد « 1 » . وبعد : فالإربلي أديب قوي العارضة ، تذوّق الأدب منذ نشأته الأولى ، وقد مارسه طيلة حياته ، ناظماً وناثراً وناقداً ماهراً ، لا يعوزه التعبير ولا يصدّ طريقه وعورة التقرير . تولى كتابة الإنشاء في ديوان السلطان سنين حتى عدّ من أجلاء المنشئين . وفيما يلي ننقل سطوراً من نثره الدارج في عصره كتبها في مقدمة كتابه « الطيف » ، ليلمس القارئ قوة تعبيره وتمكنه من الأدب العربي : « ولي طبيعة تصبو إلى زمن الربيع ، وتتشوف إلى النبات المريع ، أجد من نفسي نشاطاً في أيامه ، ويهيجني نشر رنده وخزامه ، وأبتهج ببنانه وعراره ، وأطرب لدرهمه وديناره ، واستنشئريّاه ، ويشوقني محياه ، ويروقني منظره ومخبره ، ويرق لي أصيله وسحره ، وما تفتقت أكمامه إلا تحرك وجد القلب وغرامه ، ولا فتح نواره إلا وأضرم في الحشا ناره . . » . « ولم يكن عندي إذ ذاك باعث غرام ، وليس همّ في غلامة أو غلام ، لا سبيل عليّ لسلطان البطالة ، ولا طريق على قلبي لغزال ولو كان كالغزالة ، أعجب ممن يهيم وجدا ، وأستغرب متى شكا عاشق هجراً وصدا ، وأفوق إلى توبة وجميل سهام كلام ، وأسفه رأي قيس وعروة بن حزام ، أعدّ ما نقل من أخبارهم زوراً ومينا ، وأستبعد من عاذل أن يجلب حينا . . » . شعره وشاعريته : يستعرض الإربلي في أول مقدمة كتابه « التذكرة الفخرية » أهمية الشعر ، ويعتبره من أعظم آداب العرب ، ويأتي بنماذج طريفة من رفعة مكان بعض الناس أو سقوطها بسبب بيت أو أبيات قيل فيه مدحاً أو ذماً ، فيسير ثناء الشخص على الألسن لمدح شاعر له أو تذمه العامة لقولة قالها

--> ( 1 ) . مقدمة التذكرة الفخرية ص 13 - 15 .